أحمد ياسوف
257
دراسات فنيه في القرآن الكريم
وقال شهاب الدين القسطلاني ( - 923 ه ) معرفا التجويد : « أن يأتي بالقراءة مجودة الألفاظ ، وهو تقويم حروفها وإعطاؤها حقها وتوفيتها جانب مستحقها من غير إفراط ولا تفريط ، ولا تكلف ولا تعسف ولا تخليط ، سالمة من تمضيغ اللسان وتعقير الفم وتعويج الفك وتقطيع المد وتطنين الغنّات ، إلى غير ذلك مما تنفر عنه الطباع وتمجّه القلوب والأسماع » « 1 » . وفي القرآن الكريم نجد حضّا على جمال الأداء في قوله عزّ وجلّ : لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [ الفرقان : 32 ] من العهد المكي ، ويؤكّد لنا فعل الترتيل بالمفعول المطلق ، وهو ما يفوق الإنشاد والقراءة العادية ، ويسمو على مطّ الغناء واضطرابه . أما المكان الثاني الذي يذكر فيه الترتيل ، فهو سورة المزمل ، أوائل نزول الوحي المبارك ، وفي هذا حجّة على إعجاز نسقه ، فالسورتان إذن من العهد المكي ، حيث تعنّت الكفار وعنادهم ، يقول تعالى في سورة المزمل : قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ( 2 ) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ( 3 ) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [ المزمل : 2 - 4 ] ، وكذلك يؤكّد الفعل بالمفعول المطلق ، وهنا يختصّ الترتيل بزمن الليل زيادة في جماله في هدأة الليل ، حيث صفاء النفس ، وذلك لأن المولى عزّ وجلّ عليم بأن السمع نافذة على النفس ، وحافز على الانفعال والتفاعل مع متطلبات دينية حيوية دنيوية وأخروية . وقد سبق علم التجويد تشجيع الرسول عليه الصلاة والسلام على الأداء الحسن الذي يركّز على الإحساس بالتشكيل الموسيقى في إيقاع القرآن ، ذلك الأداء الذي يراعي دقائق داخلية يمتاز بها النّسق القرآني من مدود وصفير وجهر وقلقلة الصّفير : صوت زائد يخرج عند النطق بالصاد
--> ( 1 ) لطائف الإشارات لفنون القراءات ، شهاب الدين القسطلاني : 1 / 207 .